الرضا ثمرة المعرفة ونتاجها والحكم على الشيء فرع عن تصوره، فهل يفسد بفسادها ومخالفتها للحقائق المخفاة؟ وهل يؤثر الإخفاء العمدي على صحة الرضا؟ وهل المرء مكلف بتتبع المعلومات وتقصي دقائقها؟ وهل تنظر الشريعة إلى الرضا فاسد الأصل بنظرة مختلفة عن الرضا صحيح الأصل؟ وهل وظّف الساسة صناعة الرضا لتحقيق مصالحهم الشخصية؟
تحرير الإشكال
الأصل صحة الرضا التام المسبوق بعلم كافٍ لحيثيات القرارات وتوابعها الصادر من الإنسان الراشد المختار في الأمور المشروعة معتبر، سواء أكان رضا بالفعل أو رضا بالترك.
ولكن محل النزاع والنقاش هو الرضا الذي يسقط منه ركن المعرفة الكافية بفوت معلومة أو تدليس الحقائق من قبل الآخرين، والحقيقة أن المرء لا يؤاخذ برضاه -مجردا عن فعله- إلا بحسب ما نواه؛ فالرضا عملية داخلية متجردة عن الأفعال الحسية مرتبطة ارتباطا سببيا وثيقا بالأفكار المتاحة لدى المرء أثناء التسلسل المنطقي للأفكار، واختلاف تلكم الأفكار المؤسِّسة للرضا عن الواقع يعني اختلاف محل الرضا.
الرضا في ميزان الشريعة
الفرد غير مكلف في الأصل بالبحث عن معلومة قد تيقن منها نتيجة معطيات صحيحة وفكر سليم وقرائن موافقة، ولكن إن شك في أمر وكان من تبعاته إضرار بنفسه أو بالغير فيتوجب عليه حينها التثبت دفعا للمفاسد عن نفسه وغيره؛ لأنه مكلف بحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض وإقامة العدل وتحقيق الأمن بما هو مشروع، وتكون هذه الإعانة بالبحث عن الحقيقة والسعي لتأكيدها وتقبلها إن تبين له أنه كان مخالفا لها جهلا منه بها، ومن هذا المنطلق أمر الشرع القضاة بتقصي مجريات أحداث القضايا بالتثبت وطلب البينة وسماع الدعوى والجواب، كما أمر المفتي بالتأكد من قصد السائل، وأمر المشتري بالسؤال عن السلعة ونحو ذلك.
ولكن في الكفة المقابلة يمنع المرء من التدخل فيما لا يعنيه كخصوصيات الناس والتجسس عليهم، ولا يحاسب على أمر تيقن منه ولم يبحث عنه ما دامت معطيات قراره صحيحة إلا إن نشأ عن تفريط.
وقد شرع المولى ﷻ شرعا متكاملا متماسكا متوازنا وحاشاه أن يغفل عما ستؤول إليه الدنيا اليوم من تدليس وتزوير وفساد الذمم؛ فلم يجعل الرضا معتبرا مطلقا وإنما اعتبر فقط الرضا المكتمل الأركان؛ فأباح للزوجين فسخ العقد للعيوب المعتبرة شرعا في الجملة، وأبطل معاملات فاقدي الإدراك، ومنع التغرير، وأجاز للمشتري رد السلعة إن تبين بها عيب كتمه البائع عنه (بل شرع له شرط الخيار برد السلعة إن لم يرض بالمبيع ولو بغير عيب بضوابط معينة)، وكل هذه التعاملات الأصل فيها التمام والإلزام ولكن اختلال كمال العلم الضروري بتفاصيلها أخلّ بصحتها.
صناعة الرضا في السياسة والعراق أنموذجا
قد لا يتمكن الساسة من اتخاذ قرارات تخالف ما ترتضيه شعوبهم؛ فيلجؤون لصناعة الرضا من خلال تهويل الدقيق وتهوين الجليل مما يمكنهم من الوصول لمرادهم مع دعوى صدقهم، هذا إن اهتموا بالصدق وإلا فإن الكذب -مع قِصر حبله- بابه كبير، فترضى شعوبهم بما صوروه لهم من خيال مخالف للواقع.
في مطلع الألفية الثانية ابتغت القيادة الأمريكية مصالحا لها في العراق ولكن الشعب الأمريكي لم يكن يريد تعريض أرواح أبنائه لخطر وحش الحرب لما مروا به في القرن العشرين الحافل بالحروب؛ فلم يكن للقادة بدٌ إلا أن يصطنعوا وحشا أكبر من نسج خيالهم فادعوا أن لدى العراق أسلحة دمار شامل؛ فلم يكن من غالبية الشعب إلا أن دعموا قرار غزوها، ثم تبين لاحقًا بطلان مخزون أسلحة الدمار الشامل، كما لم تثبت لجنة 11 سبتمبر وجود علاقة تعاونية تشغيلية بين العراق والقاعدة في الهجمات.
والدليل على ذلك ما روّجه المرشحون السياسيون من بعد الغزو باكتفاء البلاد من خوض نزاعات جديدة، وآخرهم ترامب الذي زعم أنه رئيس السلام ووعدهم بأنه لن يبدأ حربا جديدة وسينهي الحروب القائمة وسيسحب الجند من مواضع النزاع وسيركز على التطوير الداخلي وتحسين المعيشة للأمريكان، ولكن سرعان ما تراجع عن موقفه وأقدم على أكبر مخاطرة منذ عقود فكرر نفس المسرحية بتهويل الخطر الإيراني وأنها عدو يحدق باتجاه أرواح الأمريكيين، ومع ذلك لم تنطلي خدعته على الشعب كما حدث في العراق.
الخاتمة
بعد استعراض أركان الرضا وأهميته شرعا وتطبيقاته سياسيا يمكن للناظر أن يتأكد من أهمية تعزيز الوعي وأنه من الروادع القوية لسلطان ذوي القوى في موازين العالم المعاصر عن التلاعب بالرضا، فتحسين الصورة إن وافق الحقيقة فهو تعريف وإن خالفها فهو تدليس، ولهذا فالموقف الراشد ليس أن نحارب الرضا، بل أن نحرره من التوظيف، وأن نرده إلى موضعه الصحيح: أثرا للعدل، لا ستارا عليه.
فإذا استقام هذا المعنى، أمكن أن نقرر القاعدة الكبرى في هذا الباب: ليست القضية أن يرضى الناس، بل أن يرضوا عن حق. لأن الأمة لا تُخدع حين تُحرم من البيان فقط، بل قد تُخدع حين يُعطى لها من البيان ما يكفي لتسكن، لا ما يكفي لتبصر. ومن هنا كان كشف صناعة الرضا ليس خروجا على النظام الأخلاقي للمجتمع، بل دفاعا عنه؛ إذ لا صلاح لوعيٍ جمعيٍّ يُربَّى على الانطباع، ولا نجاة لمجال عام تُدار فيه الحقائق بمنطق التسويق، ثم يُطلب من الناس بعد ذلك أن يميزوا بين العدل والزينة.