التخذيل في فتنة الحرب: قراءة تدبرية

ضمّن المولى ﷻ كتابه العزيز بخبر الأولين والآخرين من المؤمنين والمنافقين والكافرين على سواء، ولم يغفل عن كشف أوصاف المنافقين التي تسهم في زعزعة الأمن الوطني والتخذيل عن الاستنفار للجهاد، وسنخوض في هذا الموضوع بقراءة

تدبرية نعيش فيها حال الواقع المعاصر بعدسة الآي الكريم.

آل عمران

أورد الله سبحانه وتعالى أوضح تصوير للمنافقين المخذلين في سورة آل عمران فقال:

﴿وَما أَصابَكُم يَومَ التَقَى الجَمعانِ فَبِإِذنِ اللَّهِ وَلِيَعلَمَ المُؤمِنينَ ۝ وَلِيَعلَمَ الَّذينَ نافَقوا وَقيلَ لَهُم تَعالَوا قاتِلوا في سَبيلِ اللَّهِ أَوِ ادفَعوا قالوا لَو نَعلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعناكُم هُم لِلكُفرِ يَومَئِذٍ أَقرَبُ مِنهُم لِلإيمانِ يَقولونَ بِأَفواهِهِم ما لَيسَ في قُلوبِهِم وَاللَّهُ أَعلَمُ بِما يَكتُمونَ ۝ الَّذينَ قالوا لِإِخوانِهِم وَقَعَدوا لَو أَطاعونا ما قُتِلوا قُل فَادرَءوا عَن أَنفُسِكُمُ المَوتَ إِن كُنتُم صادِقينَ﴾ [آل عمران: 166-168]

بعد أن ذكرنا المولى بأن الفتن التي تصيب الناس ليست إلا ترجمة واقعية لما اقترفوه في حيواتهم وأنها جزاء أعمالهم ذكرنا بأنها لا تخرج عن إطار الإذن الإلهي التمحيصي ليبين المنافقين ويعلمهم بحالهم هم أولا ثم يعلم المؤمنين من حولهم بخطرهم ولكي يقيم الحجة عليهم في الدار الدنيا حتى يشهدوا على أنفسهم في الدار الأخرى. ثم حكى الله حال المنافقين الذين يتخاذلون عن الجهاد (الطلب والدفع) بدعوى جهلهم موعدة القتال وحسم عقيدتهم بأنها أشبه ما يكون بعقيدة الكفار، وأن ما تتفوه به ألسنتهم ليس موافقا لما تقر به قلوبهم من جرم مشهود للعيان، وذكرنا بأن خدعتهم بمخالفة ظواهرهم لبواطنهم لا يمكن بأي حال أن يخفى على سريع الحساب شديد العقاب. وختم تصوير المنافقين بما يفتعلونه من تخذيل للمؤمنين بينهم بعد عودتهم من جهاد إخوانهم [أي إخوان المنافقين] الكافرين بمحاولتهم إثارة ندم المؤمنين على استشهاد بعضهم، ثم ذكرهم بأن الموت آت لا محالة أين ما كان العبد ولا يطيل التخاذلُ العمرَ ولو برهةً.

سورة التوبة

سورة التوبة تصوير متكامل الأركان لأحوال المنافقين وأفعالهم في كل حال هم عليه من معاملاتهم وحتى محاربتهم، وسنتوقف في موضعين منها.

الموضع الأول:

﴿وَلَو أَرادُوا الخُروجَ لَأَعَدّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعاثَهُم فَثَبَّطَهُم وَقيلَ اقعُدوا مَعَ القاعِدينَ ۝ لَو خَرَجوا فيكُم ما زادوكُم إِلّا خَبالًا وَلَأَوضَعوا خِلالَكُم يَبغونَكُمُ الفِتنَةَ وَفيكُم سَمّاعونَ لَهُم وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ﴾ [التوبة: 46-47]

بعد أن بيّن الله تعالى لرسوله ولأمته حقيقة استئذان المنافقين المخلفين وأن المؤمنين لا يترددون لوهلة في السعي لإحقاق كلمته فصّل حقيقة تبعات المشاركة العسكرية للمنافقين وأنها لا تجلب إلا سوءا للمؤمنين وفيه امتنان ضمني على بثه سبحانه للتكاسل في قلوب المنافقين وأنها نعمة للمؤمنين مع أن ظاهرها (نقصان العدد) مخالف للمساعي الطبيعية في استنفار الجيوش للحروب، وبين أن تكلفة انضمام المنافقين لجيش المؤمنين تجلب الخبال (وهو الفساد) عبر التخذيل والتثبيط الذي ينتشر بسرعة كسرعة الخلال (وأصله للإبل من الركب) وأن وجود من يستجيب لتلك المفاسد بين المؤمنين يزيدها خطرا على الأمن الوطني وأومأ إلى أن أفعالهم لا تخرج عن نطاق الظلم لأنفسهم أولا ثم لجيش المؤمنين الخارجين ويمكن أن تتعدى البعدين المكاني والزماني إلى المسلمين القاعدين في الأزمنة اللاحقة لما في تخذيلهم من آثار جسيمة كدخول البلدان المسلمة تحت وطأة الكافرين بعد عدم وجود جبهة تدفع احتلالهم.

الموضع الثاني

﴿فَرِحَ المُخَلَّفونَ بِمَقعَدِهِم خِلافَ رَسولِ اللَّهِ وَكَرِهوا أَن يُجاهِدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم في سَبيلِ اللَّهِ وَقالوا لا تَنفِروا فِي الحَرِّ قُل نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَو كانوا يَفقَهونَ ۝ فَليَضحَكوا قَليلًا وَليَبكوا كَثيرًا جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ ۝ فَإِن رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنهُم فَاستَأذَنوكَ لِلخُروجِ فَقُل لَن تَخرُجوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقاتِلوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُم رَضيتُم بِالقُعودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقعُدوا مَعَ الخالِفينَ﴾ [التوبة: 81-83]

يحكي الله ﷻ في هذه الآيات ما يعيشه المنافقون من فرحة لقاء تخلفهم عن الجهاد في سبيله لخوفهم على أموالهم وأنفسهم، وبلغ بهم الحال أن يتخذوا موقف الناصح للمجاهدين أن يتخلفوا عن القتال لسبب يكشف بنفسه انعدام الأسباب المعتبرة للتخلف وهو دعوى الحر متناسين الحر الشديد الأبدي الذي سيلقونه يوم المعاد ولكن أبت عقولهم أن ترشدهم لموقف رشيد فيه الخير لهم، ونقل الله ما يجب أن تمر به أفئدتهم من الضحك على حالهم والبكاء على ما سيلقونه يوم يدع الداع إلى شيء نكر، ثم حذر الله سبحانه نبيه ﷺ أن يقبل انضمام المنافقين لصفوف القتال والخروج في سبيل الله لما ارتضوه لأنفسهم من القعود في بادئ الأمر.

سورة محمد

﴿وَيَقولُ الَّذينَ آمَنوا لَولا نُزِّلَت سورَةٌ فَإِذا أُنزِلَت سورَةٌ مُحكَمَةٌ وَذُكِرَ فيهَا القِتالُ رَأَيتَ الَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ يَنظُرونَ إِلَيكَ نَظَرَ المَغشِيِّ عَلَيهِ مِنَ المَوتِ فَأَولى لَهُم﴾ [محمد: 20]

في هذه الآية الكريمة بين الله بالطباق الفرق بين حال المؤمنين الذين يترقبون مجيء الوحي والإذن الإلهي بالجهاد وحال المنافقين الذين لا يستطيعون تصور أنفسهم في صفوف المقاتلين لدرجة تقربهم من وفاتهم في لحظتهم تلك.