الحرب الأمريكية-الإيرانية: تقرير الواقع

هذا المقال قراءة تحليلية في الواقع الدولي بعد إتمام الحرب الأمريكية-الإيرانية يومها العشرين يتضمن أهم ما ربحته الدول وما خسرته خلالها بالاعتماد على التقارير الإخبارية المتوفرة.

أوكرانيا: المزود المفاجئ

أكملت أوكرانيا خمس سنين في حربها مع روسيا وخلال هذه المدة طورت ترسانتها الدفاعية حتى نالت إعجاب الولايات المتحدة فدخلت في حوارات لشراء بعض منظوماتها الدفاعية الجوية الجديدة بعد أن كانت الأخيرة تتبرع لها بالمعدات طيلة هذه الفترة.

وقد ظهرت سمة البراجماتية الأمريكية في تعاملها مع أوكرانيا حين تجاوزا الخلافات الشخصية بين زيلينسكي وترامب لتصلا إلى ما يحتاجانه من بعضهما.

ولكنها خسرت جزءا كبيرا من نسبة الدعم الخارجي حين أعادت الولايات المتحدة توجيه دعمها الحربي اتجاه ولايتها الحادية والخمسين في الشرق الأوسط.

وقد لا تصمد أوكرانيا طويلا أمام روسيا بدون دعم أمريكي كافٍ لذا قد تضغط أوكرانيا على حليفتيها إسرائيل وأمريكا بشكل مباشر للإنسحاب من الحرب مما سيشكل انتصارا لإيران.

أوروبا: الحليف المتوقع

في بداية الصراع أدانت إسبانيا الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية الأولى على إيران ولكن بقية دول الاتحاد الأوروبي بقيت صامتة حين تجاذبت أطرافها مواثيق القانون الدولي والكره الدفين للنظام الإيراني وكان أبرز ما قيل في البداية هو من رئيسة المفوضية الأوروبية التي ظنت بأن النظام الإيراني سيسقط بموت آية الله العظمى علي خامنئي.

ومع تطور الصراع وإغلاق مضيق هرمز دعا ترامب دول الاتحاد الأوروبي التي تستورد طاقتها بكمية كبيرة عبر المضيق إلى المساعدة في “فتح” مجال العبور البحري ولكنها امتنعت بدورها من الخوض في حرب لم تبدأها هي.

الصين وروسيا: محور الرعب

لطالما كانت الولايات المتحدة في عداء مع الصين وروسيا ولكنهم أبوا أن يتواجهوا وجها لوجه وجرت العادة من بعد النهضة الماوية والحرب الباردة أن يتقابلوا عبر الوسطاء في حروب العالم، ولكن هذه الحرب مختلفة قليلا فهي ذات أكبر أثر مباشر على الاقتصاد الغربي الذي لم يلبث إلا أن اضطر للعودة إلى روسيا طلبا للنفط بأسعار فلكية لم يسبق لها مثيل (وقد امتنعت الولايات المتحدة عن إيقاع العقوبات مؤقتا على الهند لشرائها النفط من روسيا) بينما تزود القوتان النوويتان إيران بالسلاح والمخابرات بشكل مستمر وعميق وشبه علني.

فنزويلا: آخر عهد بالحرب

شكّل اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو نقطة تعبئة للثقة الأمريكية بعتادها العسكري وكان في استيلاء شركات النفط الأمريكية على مواردها جرس إنذار لم ينتبه له إلا قليل.

إثيوبيا وتركيا: البديل المحتمل

في العقدين الأخيرين برزت الإمارات وقطر كحلقة وصل آمنة وموثوقة بين المشرق والمغرب ولكن شبح الحرب أزال تلك الثقة ونقلها إلى دولتين أخريين هما إثيوبيا وتركيا اللتان قامتا بسرعة هائلة برفع استعدادهما اللوجستي لاستقبال المسافرين العابرين للقارات.

ومما يزيد الأمور تعقيدا هجوم إيران على هدف في تركيا مما سمح لها قانونيا بتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو الذي يجبر بقية دول الحلف على الانضمام للحرب بصفها إن أرادت ولكنها امتنعت عن ذلك.

الكرد والبلوش: الصديق المأمول

طمح ترامب (بإغراء نتنياهو) أن يثور الشعب الإيراني على حكومته لينصب بدلا منها حكومة أخرى صديقة له ولكنه سرعان ما تراجع عن طموحه ذلك إلى طموح آخر وهو الإطاحة بالنظام من خارج البلاد ولكنه لم يرد إغراق الجيش الأمريكي في حفرة أفغانستان مجددا فقام بإرسال الجنود إلى المنطقتين الإنفصاليتين إقليم كردستان وبلوشستان لكي يتعدوا الحدود الإيرانية من أجل الإطاحة بالنظام ولكن هذه الخطة تستغرق وقتا أطول مقابل الخطر المباشر الأقل.

دول الخليج: بطاقة الضغط

ساهمت الولايات المتحدة في دفع دول المنطقة تدريجيا إلى أتون الحرب معها عبر تجاوزها التهديدات الإيرانية بقصف قواعدها العسكرية (التي انطلقت الهجمات الأميريكية منها) أولا ثم موانئ تزويد السفن الحربية المعادية بالوقود ثم البنى التحتية للوقود، ويمكن تفسير التصرف الإيراني بتفسيرين:

(١) اختيار إيران أن تكون الحرب حرب استنزاف أو “الحرب الأخيرة”

(٢) اختيار إيران إجبار دول المنطقة طلب الولايات المتحدة بوقف الصراع

وكلا التفسيرين موافق لمفهوم الخطابات الإيرانية مع تضادهما في الظاهر.

ولكن بقيت في جعبة إيران بطاقات أهمها محطات تحلية المياه في المنطقة حيث إن دول المنطقة تعتمد بشكل شبه حصري على مياه البحر المحلاة التي بانقطاعها ستجبر الدول على اتخاذ إجراءات غير مسبوقة بالتدخل في مسار الحرب.

وقد أوقعت الحرب الكثير من الجهات الرسمية وغير الرسمية في ورطة عبر تجاذبها من قبل أطراف الحرب مما شكل فجا في الدعم، وقد بلغ الأمر إلى الانشقاق الطائفي بسبب استشهاد المرشد الأعلى.

تركمانستان وقبرص: المنفذ المعقول

تعتبر تركمانستان وقبرص من أبرز نقاط الارتكاز للولايات المتحدة بالقرب من إيران (وتشارك تركمانستان حدودها مع إيران) وقد كانتا في بادئ الأمر بمعزل عن الحرب ولكن إيران اختارت إدخالهما (كحال دول الخليج) مما جعل فكرة الغزو الأمريكي الأرضي لإيران عبر تركمانستان تطفو في حوض الأفكار بإمداد جوي من قبرص لمحاصرة العاصمة طهران.

اليمن ولبنان: فيزا الصواريخ

يتضح من خلال قراءة الوضع الحالي أن حزب الله والحوثي يريدان استنزاف الدفاعات الإسرائيلية للسماح بالصواريخ الإيرانية بالعبور وكأن صواريخهما “فيزا” للصواريخ الإيرانية.

الخاتمة

وسط هذا التشابك المحموم بين الممرات البحرية وخطوط الطاقة والتحالفات القديمة والجبهات الجديدة، تبدو الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أبعد ما تكون عن “عملية محدودة” أو “جولة عابرة” في صراع طويل، بل أقرب إلى لحظة مفصلية يعاد عندها رسم خرائط النفوذ وميزان الردع في المنطقة والعالم. وربما ينظر طلاب التاريخ والعلاقات الدولية بعد عقود إلى هذه الأسابيع الأولى على أنها الشرارة التي مهّدت، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، لما سيسمّى لاحقا بالحرب العالمية الثالثة؛ لذلك لا ينبغي التعامل مع ما يجري كخبر عابر في شريط الفضائيات، بل كمنعطف يفرض على شعوب المنطقة أن تعيد التفكير في أمنها، وموقعها بين القوى المتصارعة، وحدود قدرتها على أن تكون مجرد ساحة للحرب أو طرفا واعيا في صناعة المستقبل.