الإنسان مؤاخذ على أفعاله وأقواله، والنصرة لا تخرج عن دائرة المحاسبة فهي ثمرة للولاية، ولكن تبرز مسألة مهمة وهي ماذا يجب على المسلم اتجاه الظالم حال موافقته للحق خارج نطاق ظلمه، فمثلا هل ينصر القاتل -ظلما- في حمايته لمال محترم شرعا؟
يتجاذب هذا الموضوع حكمان شرعيان وهما وجوب البراءة من الظالم (لأنه مرتكب كبيرة ولا يزول الحكم حتى يتوب ويرد المظالم) ووجوب نصرة الحق، وسنستعرض الأدلة لكل حكم في القرآن والسنة ثم نتطرق إلى الموازنة بين الحكمين إن اجتمعا.
في القرآن
أولا: الأدلة على تحريم الظلم ووجوب البراءة من الظالمين ومحاربتهم:
أ) وجوب البراءة من العصاة
﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون﴾ [الشعراء: ٢١٥-٢١٦]
هذه الآية أصرح ما يكون في وجوب البراءة من أعمال العصاة، فهي وإن كانت موجهة للنبي ﷺ ولكنها تنصرف لعموم المسلمين.
ب) الآيات التي ذم الله فيها الظالمين بنفي حبه لهم أو هداه أو توعدهم بعذاب وهي كثيرة ومنها:
- ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]
- ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]
- ﴿وَمَن يُضلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن وَلِيٍّ مِن بَعدِهِ وَتَرَى الظّالِمينَ لَمّا رَأَوُا العَذابَ يَقولونَ هَل إِلى مَرَدٍّ مِن سَبيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]
- ﴿وَاللَّهُ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ﴾ [الصف: ٧ والجمعة:٥]
- ﴿وَالظّالِمينَ أَعَدَّ لَهُم عَذابًا أَليمًا﴾ [الإنسان: ٣١]
نفي حب الله يعني إيجاب لعنته عليهم وهو طردهم من رحمته، وتوعدهم بالعذاب يؤكد أن مصيرهم النار لما ارتكبوه من ظلم في حيواتهم.
ج) الآيات التي فيها وجوب قتال الظلمة/ المعتدين/ البغاة
- ﴿وَقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتنَةٌ وَيَكونَ الدّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلا عُدوانَ إِلّا عَلَى الظّالِمينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]
- ﴿وَإِن طائِفَتانِ مِنَ المُؤمِنينَ اقتَتَلوا فَأَصلِحوا بَينَهُما فَإِن بَغَت إِحداهُما عَلَى الأُخرى فَقاتِلُوا الَّتي تَبغي حَتّى تَفيءَ إِلى أَمرِ اللَّهِ فَإِن فاءَت فَأَصلِحوا بَينَهُما بِالعَدلِ وَأَقسِطوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطينَ﴾ [الحجرات: ٩]
- ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ١٣-١٥]
وجوب القتال لا يكون إلا ضد الظلمة والمعتدين والبغاة كما نصت الآيات
ثانيا: أدلة وجوب نصرة الحق وإقامة العدل
- ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كونوا قَوّامينَ بِالقِسطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلى أَنفُسِكُم أَوِ الوالِدَينِ وَالأَقرَبينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَو فَقيرًا فَاللَّهُ أَولى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أَن تَعدِلوا وَإِن تَلووا أَو تُعرِضوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعمَلونَ خَبيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]
- ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كونوا قَوّامينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسطِ وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى أَلّا تَعدِلُوا اعدِلوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما تَعمَلونَ﴾ [المائدة: ٨]
هذه أدلة صريحة على أن المسلم عليه إقامة العدل وإحقاق الحق ولو كان كارها لصاحب الحق.
في السنة
جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.”
هذا حديث يمنع الظلم بين المسلمين وبين فيه النبي ﷺ أن قضاء حاجة العباد لبعضهم فيه ثواب للمعين فيها، ولفظ المسلم فيها عام يشمل الموفي والمقصر.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته”.
هذا أصرح ما يكون في وجوب نصرة الحق وتحريم نصرة الظلم، فالوعد بالثواب حض، والوعيد بالعقاب ذم وتحريم.
قال رسول الله ﷺ: “انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظلومًا”، قالوا:” يا رَسولَ اللهِ، هذا نَنصُرُه مَظلومًا، فكيفَ نَنصُرُه ظالِمًا؟” قال:”تَأخُذُ فوقَ يَدَيه”.
هذا حديث موافق لما مر في وجوب نصرة الحق والمظلومين وفيه زيادة فائدة على وجوب نصح الظالمين.
روى أبو داود والترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: “من أعان ظالمًا بباطلٍ ليدحضَ به حقًّا فقد برِئ من ذمَّةِ اللهِ وذمَّةِ رسولِه”
الإشارة إلى وعيد المعين على الظلم فيه أيضا بيان تحريم الظلم من باب أولى.
عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: “أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ يُضْرَبُ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَدْعُو حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فجُلد جلدةً واحدةً،فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ عَنْهُ وَأَفَاقَ قَالَ: عَلَامَ جَلَدْتُمُونِي؟ فقِيلَ له: إنَّك صَلَّيْت صلاة واحدة بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَمَرَرْت عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ”
تعذيب العبد كان لأمرين ثانيهما عدم نصرة المظلوم مع علمه بمظلوميته.
ويمكن الإشارة هنا إلى قصة نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب حين نصر رسول الله ﷺ والمسلمين مع أنه كان صديقا لبني قريظة في السابق.
الخلاصة
يمكن الجمع بين أدلة وجوب نصرة الحق وأدلة تحريم الظلم والإعانة عليه بأن العبرة بعين الفعل والتمكين عليه لا بذات الشخص، فالذي يُمَكِّنُ الظالمَ ليخرج لقتال أحد دمه حرام ففعله وإعانته ولو ببري القلم ظلم معه، وأما الذي يرى الظالم ينصر الحق ولو قبل توبته فعليه نصرة الحق والبراءة من الظالم الذي ذهب ليعينه في آن واحد، ولا يكون هذا تناقضا لأنه من غير المعقول الامتناع عن نصرة الحق بدعوى أن جنديا في جيش المسلمين أكل مال زوجته سحتا !، فنصرة الحق مقدمة دوما (وهذا ما نص عليه الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في السيف المذكر).
سبب كتابة المقال
هذا المقال جاء جوابًا عن سؤالٍ وُجّه إليّ حول حكم نصرة دولة أو جهةٍ لها مظالمها ومخالفاتها الشرعية، لكنها في مقامٍ معيّن تقف في صفّ قضية عادلة أو تدفع عدوانًا صريحًا عن أرضٍ إسلامية أو شعبٍ مستضعَف. والواقع المعاصر يشهد بمثل هذه الصور، حيث تجتمع في الجهة الواحدة أوصافٌ من الظلم في مواطن، ومواقف من نصرة كلمة الله ودفع المعتدين في مواطن أخرى؛ الأمر الذي يوجب على المسلم أن يزن مواقفه بميزان الشريعة ومقاصدها، فلا يخذل حقًّا لأن حامِله ظالم، ولا يتحوّل، في الوقت نفسه، إلى جنديّ في مشروع الظلم بحجّة نصرة ذلك الحق.